السبت، 1 يونيو، 2013

أنين التعافِ


يفيق مجددا على ذلك المشهد الخاوى دون إشعار جديد... فلا يعلم أين ذهبت ولا إمكانية عودتها لاحقا... يعلم جيدا أنها ليست ههنا حقا... ولكن إشتياقه إليها كان له تصرف آخر... بعيدا عن تحكم المنطق في حياته... فلقد مَنْطَق هو تصرفاته بما يتيح له لقاؤها كيفما يشاء...
فكان يمارس ما شابه إستحضار الأرواح حين يلتحف تلك النغمات المطرزة بذلك العطر لحمايته في رحلته من أى سهام متطايرة من واقعه المحيط...ويبحر لتلك الساعات التي كانت مِنٌه العمر عليه معها... ولم يٌشغله مطلقا ما سوف يسمعه منها... فلا يضيره تخيلها صامته لساعات طويلة دون ملل... أو قد يلقنها بعضا من عباراتها السابقة معه...
ولكن تلك اليد الحانية للذكريات والتي لطالما امتدت لم يكن بمقدورها إلتقاط ما يزيد عن صورة باهتة يجتاحها أدنى مشتت عابر مٌفيقا إياه من غيبوبته المصطنعة في مناداتها...
أيقن تماما بمنطقه الخاص أنه لم يعد منه مفر... فرأى في المرض النفسي علاجه الوحيد الذي يغنيه إنتظار الصدف... وإنقاذه من ذلك الوعى القاسي الخالي من وجودها وكلماتها...
ومن هنا كانت صفقته مع المرض.. فلديه عقلا لم يتذوق المرض مثيله من قبل... مقابل وجودها معه دون تلك الإفاقة الملعونة...
ولكنه لم يدرك حقيقة إن كان لازال لديه الخيار من عدمه... هل ماهو فيه حقا صفقة أم تهيئة أم تكييف... وهل يطرق المرض النفسي الوعي قبل الإلتهام؟؟..
كانت الحقيقة الوحيدة المؤكدة لذلك العقل هى تمرده على ذلك القدر البغيض... رغم إفلاس جعبته ماعدا التخلي عما حرمه إياه... أو التخلي عن الوعى به من الأساس...
فإن كان من قبل قد أزاح عن خياله الستار من أجلها.. فقد حان الوقت ليزيح الواقع من أمامها... فحان الوقت لإستبدال تلك الحياة المفروضة بحياه مفترضه...
ظل يحدق في محتويات منزله ويتخيل كم ستكون ألوانها في نوباته... وهل سوف تظل هى بذاتها أم ستتبدل... وهل سيتذكر أنها تغيرت من الأساس...
ولكن من يضمن له أنه سوف يظل في هذا المنزل في تلك النوبات... وهل سوف يراعي المرض أسباب إلتجائه... من يضمن له رحمه ذلك المرض ورفقته به... إذن لن يضمن له المرض أن تكون رقيقته هى محور النوبات... رغم أن المرض سوف يكون أكثر سخاءً مما تقدمه له تلك العقاقير التي يتقمص مفعولها عَلٌـهُ يصير أسلوبه للحياة دون جدوى...
فحاول أن يبتكر قانونا يحكم تلك لإفتراضات لما سوف يراه في نوباته وهو لازال في أوج رشده... ولكنه لم يكن قابضا بذراعيه ما احتواه عقله الباطن عبر السنين... فلم يضمن ما سوف يخرج للنور مزلزلا إفاقته المنشودة عن إغمائة فراقها...
يتنبه إلى كونه لازال يُحكم خيوط تفكيره هو أبسط الأدلة على حريته التي لم يسلمها للمرض بعد... ولكن كل عقل  في داخله يرى صلاحيته المتجددة... فلابد من مؤثر خارجي يضمن له أنه لازال قيد الرشد بعد... ولكنه تراخى عن تلك الفرضية حين انتبه إلى ان العقل إن ذهبت رجاحته... إستطاع أن يصور لك إطراء الآخرين بإستمرارها...

يعود إليه صوتها متسائلا  أين ذهبت بفكرك عني... فيعود التساؤل حول ما إن كانت هنا حقا أم أنها نوباته تعلن عن ذاتها...  فينتحي جانبا كل ما دار بذهنه... مستمتعا بتلك اللحظات سارقا إلى رئتيه ما استطاع منها... حتى إشعار جديد...