الخميس، 21 أغسطس 2014

حواس جديدة


كنت أتمنى لو كانت هذه المقالة مسموعة لتبحر معي في تحرر من تشويش البصر على الحواس, لتتحرر من محاولته دوما إرغام العقل على تقبل انه هناك حقيقة واحدة بدلا من كافة الافتراضات التي قد تتناوب الطرح في غياب البصر, متعكزا على حواس أخرى تنمو تلقائيا في غياب البصر.
لم أنفصل عن الوعى تماما.. وإنما كانت مرحلة وسطى بين عالمين موازيين.. مرحلة إكتشاف وتحسس.. وربما لم يكن العالمين منفصلين تماما وإنما كانت مثل مشهد واحد تمت إعادته بلغتين مختلفتين, ناهيك عما يستدعيه ذلك من إستخدام مصطلحات مختلفة بحسب الثقافة أو اللغة.
ولكن وجه الإختلاف هنا لم يكن اللغة بقدر ما كانت الحواس نفسها.. مقاييس جديدة للشعور والحس والتلاقي مع الواقع المحيط.. فلم تكن للعين دور كبير في سيناريو يُكتب لحظيا دون تدوين.. وأن يجد السمع نفسه مضطرا لإكتساب مهارات جديدة في الإكتشاف ومساندة الحدس والتوقع ورسم صورة رادارية للمسافات المحيطة.
 تنشط الذاكرة فجأة محاولة رسم آخر صورة التقطتها العين - بشكل لا إرادي – محولة إياها إلى ماكيت ثلاثي الأبعاد لوضع خطة للتحرك وتناول الأشياء..
قد تشعر بحنين نحو الألوان ولكنك تجد أنك تستطيع أن تبتكر أفضل منها من جديد.. فلطالما كنت ناقما على بعض الألوان في حجرتك دون ميزانية لتغييرها.. لقد حانت الفرصة لتكوينها من جديد.. بل وربما تغيير نظامها بالكامل وإتجاهتها في مخيلتك.. فعالمك الجديد له مقاييسه الجديدة التي بدأت تعتادها
سوف تعاين متعة جديدة في إستخدام أشياء لطالما راق إليك مجرد النظر إليها.. فيصير لمسها الآن هو وسيلة تواصلك معها خاصة حينما يخيل إليك شعورها بك..
حتى ما تشعر به من ألم جسداني يتغير الآن.. تتحسسه بصورة جديدة وبأبعاد جديدة.. وأما آلامك النفسية فقد تنظر بروحك نحو آفاق جديدة تحررك منها أو تزيدك إنغماسا.. كما تختار أنت وتختار لك إرادتك المتحررة من ذاك التشويش..
قد تفتقد هوايات مثل القراءة مثلا.. ولكن تجد أن الموسيقى أصبحت ذات مذاق خاص بعد أن ذهبت بعيدا عنك كافة المشتتات واطلق لتلك النغمات العنان للتعامل مع خيالك ومشاعرك.. وتبدو الكتب المسموعة أكثر من مجرد كلمات متلوة وإنما فيلم جرافيك ترسم خطوطة الرقيقة لحظة بلحظة بفرشاتك الخاصة..

عفوا.. "النور جه".. إلى أن نلتقي في عالم موازي جديد..

الثلاثاء، 19 أغسطس 2014

احلام قديمة


الحلم هو فكرة تتوسط الواقع والمبتغى.. فكرة تسافر بك نحو المشتهى.. تجول تائهة طرقات النفس تبحث عن الادوات اللازمة للتعبير والاكتمال..
الحلم هو مسافة مكسوة بالبصيرة والأمل.. هو لحظات إنتظار.. قد تتخللها بعض السنوات..
هو حياة موازية تظل تبحث عن بوابتها خلال جدران غير مرئية..

هل ان لم تنفذ تلك الفكرة هل تسمى حلما ايضا؟؟
وهل ينفصل الحلم عن تنفيذه.. أما يأتي الحلم بإرشاداته.. أما يحدثك عن مستقبله لتعرف هل تتبعه أم لا؟
هل هو فقط تلك المساحة من التفكير المطعمة بصور مستقبلية عما تريده.. ام انها حالة الواقع ولكن بصورة من الماضي..
من جديد
هل كونه حلما يعني انها تلك الامنيات.. ام ان مسمى الحلم لا ينطبق عليها سوى بعد تنفيذها وتنسحب تلك التسمية على الفكرة في بدايتها..
هل يذهب بك الحلم إلى حيث يريد أم أنك من يقوده وتعليه..
هل يجب أن يكون الحلم مستحيلا في مظهره حتى يكون حلما؟
هل يجب أن يحيطك اليأس والاحباط مع كل خطوة فيه؟
هل يجب أن يكون غير منطقي..هل لو كان منطقيا.. لما صار حلما ونتسائل وقتها لما لم يتحقق تلقائيا؟
هل يزورك الحلم في فترات تنفيذه ليعطيك العون المطلوب.. ليعطيك ذاكرة جديدة ان ابتعدْت -في مفترقات طرق تنفيذه- عنه
هل يعطيك خطة لتنفيذه والوصول إليه.. هل حلمك بانتظارك أم انك تتوقع دوما أنك من ينتظره..
هل دوما ادرك الخطوات التي تؤدي إليه.. هل يمكن أن التقي الحلم مصادفة..

هل يأتيك الحلم بتفاصيله أم أن مجمله يعطيك الوحى في رسمه لحظة بلحظة..
هل يمكن أن يتحول ولعي ببهاء صورة الحلم إلى إدمان.. فأرفض تنفيذه حتى لا اشفى من إدماني.. أو لأني لا أصدق الحلم.. حتى لا اكتشف اني كنت مخطئا فيما بعد.. أرفض تنفيذه لأني لا اريد بديلا عن تلك الصورة النموذجية التي لا يشوبها خطأ..
هل لذه الحلم في رؤية بريقه مبهما بعيدا.. أم ملامسته الواقعية مهما تكلفت أو اختلفت عن الصورة الأصلية..
هل تبهت صورته بمرور الزمن أم انها تزداد قربا ووضوحا.. أم ان ذلك يعتمد على اتجاه مسيرك من الأساس..
هل ضمان استمرار الحلم معي هو البدء في تحقيقه؟
هل يمكن أن أغلق الباب أمام حلمي خوفا ان يسرق يوما..
هل الواقع هو ما ينير حلمي أم أن الحلم هو ما ينير واقعي.. أو على الأقل ما ينير الطريق إليه.. أم أنه ما سوف يشغلني عن واقعي..
هل الحلم يتسع للآخرين معي.. أم انه يخصني وحدي.. لن يعيه غيري.. لن يفهمه غيري.. لن يعرف قدره سواى.. لن يدري بتفاصيله إلا اللاوعي خاصتي..
هل مر على آخرين قبلي أم أنني أول من زاره.. أم أنني من أنشأه.. وهل مستقبلي من نتائجه..
هل لديه جدران كالمقطوعات الموسيقية أستطيع ان احتمي بها وقت التيهان والنسيان.. استطيع ان اتجدد منها قوة وتوجها..
هل لديه ملامح مثل عينا المحبوبة.. هل يعترف بالأبعاد والمقاييس المتاحة في الوعى الانساني..
هل إن وجدته يوما بعد سنوات التأوه والتكاسل.. أو بعد سنوات التأفف والتنازل.. أو بعد عقود الصبر والتواصل.. هل ساعرفه كما عرفته في لحظاته الأول.. هل سيكون داخلي تلك الحاسة التي سأعرفه بها.. أم أنها ستكون تبخرت تبخر تلك السنوات.. أم سأستعيدها في رؤياه متحققا أمامي..
هل سأجد لي مكانا فيه أم أجده متحققا لغيري.. هل سيكون مناسبا لذاك الزمان ..
هل تعارض احلامنا معا كافي لإعاقتها..
هل تعود من حيث أتيت إن وجدت الحلم مستحيلا.. ومن أين جئت سوى منه هو..
هل الأحلام أن ابقى جواركِ طيلة العمر.. لم أرى صورتكِ في حلمي.. ولكنني رأيت حلمي في وجودكِ ..



الأحد، 13 أكتوبر 2013

أفلام السبكي بين دور السينما وعيون المشاهدين


هل كانت السينما في دورها الأساسي أن تكون مرآة للواقع ام انها شاشة على المستقبل الذي نبغاه ونتمناه
يأتي موسم جديد للأفلام يحمل معه آراء الناس في تباين كعادتهم كبشر لا تخلو منه طبيعتهم اللهم إلا في نظرية القطيع..
نجد شريحة من ارباب الثقافة ومدعيها ومشتهيها الظهور على الساحة في هجومهم المدوي على أفلام السبكي وكيف أنها لا ترتقي ودون المستوى الثقافي المفترض تقديمه لشعب لديه ولو الحد الأدنى من التثقيف أو الرغبة فيه
 وأتخذ من الأفلام التي تنتجها شركة السبكي للانتاج الفني كمثال بسيط لتقديم وجهة نظري نظرا لكونها ذات نصيب الأسد دوما من الجدل
( ليس الحديث هنا عن صحة أسباب الهجوم من عدمه أو عن تأثيرعرض تلك الأفلام على المشاهدين )
على الجانب الآخر نجد اراء اخرى لا تعرب عن ذاتها بمثل تلك الكلمات الرنانة مثل المثقفين في الفقرة السابقة.. فهم لا يمتلكون العدة المطلوبة لذلك. وانما يقدمون تلك الآراء في جنيهاتهم المقدمة عطاء في مناقصة لرسو بعض من البسمة  أو المتعة في مزاد دلاله الزمن المحيطة بنا بعجائبه..
وبلا شك فإن تلك الأموال المتدفقة لم تكن كلها بعيدة عن تلك الفئة من المثقفين.. بل دعني اقولها ان نسبة لا بأس منها تخصهم بالفعل..
أرى تلك الآراء بعينها كانت يتم لصقها بثورة 25 يناير حينما كان يتم توجيه اللوم إليها بأى شكل مثل انها كانت لفئة من البلطجية او ما شابه من تعليقات فكانوا يحاولون دوما إرفاقها بطبقة المثقفين الذين خرجوا بلا مصلحة لديهم فيها.. على الرغم من كون اولئك ساكني العشوائيات ومرتادي الملاهي الليلية  أو أى كانت الفئات المرفوض تقديمها في أفلام السبكي ليسوا عالة على ذلك المجتمع وهم جزء من تكوينه وان أبى الناكرون.. هل يعلم اولئك ان هناك مجتمعا موازيا داخليا يحتوى من الملاهي الليلية 3500 وان عدد الراقصات يتجاوز ال 5000
هل يعملون ان هناك مجتمعا آخر موازيا فيه 1034 حى عشوائي حسب أقل المصادر عددا
فتلك الأفلام لم تأتي بتلك الصورة من محض الخيال ولو كانت طريقة التقديم ذاتها لا توجد حلا وإنما أعتبرها جرس إنذار لا يدركه سوى مرهفو التقدير
نعود إلى مثقفينا الأجلاء الذين وجدوا ان اسهل وابسط كثيرا ان يقوموا بتكوين صورتهم الخاصة للوطن مزيحين منه كل تلك الصور الواقعية المسلوخة بشكلها ومضمونها من ذلك المجتمع الذي يعيشون فيه.. بدلا من محاولا ازالتها من الواقع ذاته..

يجب أن نضحك.. قبل الحصول على صورة جميلة..

منشور في الاسماعيلية برس بتاريخ 13/10/2013
http://www.ismailia.me/articles/107580.html

السبت، 1 يونيو 2013

أنين التعافِ


يفيق مجددا على ذلك المشهد الخاوى دون إشعار جديد... فلا يعلم أين ذهبت ولا إمكانية عودتها لاحقا... يعلم جيدا أنها ليست ههنا حقا... ولكن إشتياقه إليها كان له تصرف آخر... بعيدا عن تحكم المنطق في حياته... فلقد مَنْطَق هو تصرفاته بما يتيح له لقاؤها كيفما يشاء...
فكان يمارس ما شابه إستحضار الأرواح حين يلتحف تلك النغمات المطرزة بذلك العطر لحمايته في رحلته من أى سهام متطايرة من واقعه المحيط...ويبحر لتلك الساعات التي كانت مِنٌه العمر عليه معها... ولم يٌشغله مطلقا ما سوف يسمعه منها... فلا يضيره تخيلها صامته لساعات طويلة دون ملل... أو قد يلقنها بعضا من عباراتها السابقة معه...
ولكن تلك اليد الحانية للذكريات والتي لطالما امتدت لم يكن بمقدورها إلتقاط ما يزيد عن صورة باهتة يجتاحها أدنى مشتت عابر مٌفيقا إياه من غيبوبته المصطنعة في مناداتها...
أيقن تماما بمنطقه الخاص أنه لم يعد منه مفر... فرأى في المرض النفسي علاجه الوحيد الذي يغنيه إنتظار الصدف... وإنقاذه من ذلك الوعى القاسي الخالي من وجودها وكلماتها...
ومن هنا كانت صفقته مع المرض.. فلديه عقلا لم يتذوق المرض مثيله من قبل... مقابل وجودها معه دون تلك الإفاقة الملعونة...
ولكنه لم يدرك حقيقة إن كان لازال لديه الخيار من عدمه... هل ماهو فيه حقا صفقة أم تهيئة أم تكييف... وهل يطرق المرض النفسي الوعي قبل الإلتهام؟؟..
كانت الحقيقة الوحيدة المؤكدة لذلك العقل هى تمرده على ذلك القدر البغيض... رغم إفلاس جعبته ماعدا التخلي عما حرمه إياه... أو التخلي عن الوعى به من الأساس...
فإن كان من قبل قد أزاح عن خياله الستار من أجلها.. فقد حان الوقت ليزيح الواقع من أمامها... فحان الوقت لإستبدال تلك الحياة المفروضة بحياه مفترضه...
ظل يحدق في محتويات منزله ويتخيل كم ستكون ألوانها في نوباته... وهل سوف تظل هى بذاتها أم ستتبدل... وهل سيتذكر أنها تغيرت من الأساس...
ولكن من يضمن له أنه سوف يظل في هذا المنزل في تلك النوبات... وهل سوف يراعي المرض أسباب إلتجائه... من يضمن له رحمه ذلك المرض ورفقته به... إذن لن يضمن له المرض أن تكون رقيقته هى محور النوبات... رغم أن المرض سوف يكون أكثر سخاءً مما تقدمه له تلك العقاقير التي يتقمص مفعولها عَلٌـهُ يصير أسلوبه للحياة دون جدوى...
فحاول أن يبتكر قانونا يحكم تلك لإفتراضات لما سوف يراه في نوباته وهو لازال في أوج رشده... ولكنه لم يكن قابضا بذراعيه ما احتواه عقله الباطن عبر السنين... فلم يضمن ما سوف يخرج للنور مزلزلا إفاقته المنشودة عن إغمائة فراقها...
يتنبه إلى كونه لازال يُحكم خيوط تفكيره هو أبسط الأدلة على حريته التي لم يسلمها للمرض بعد... ولكن كل عقل  في داخله يرى صلاحيته المتجددة... فلابد من مؤثر خارجي يضمن له أنه لازال قيد الرشد بعد... ولكنه تراخى عن تلك الفرضية حين انتبه إلى ان العقل إن ذهبت رجاحته... إستطاع أن يصور لك إطراء الآخرين بإستمرارها...

يعود إليه صوتها متسائلا  أين ذهبت بفكرك عني... فيعود التساؤل حول ما إن كانت هنا حقا أم أنها نوباته تعلن عن ذاتها...  فينتحي جانبا كل ما دار بذهنه... مستمتعا بتلك اللحظات سارقا إلى رئتيه ما استطاع منها... حتى إشعار جديد...

الأربعاء، 22 مايو 2013

بلد دكاترة صحيح...


برغم بعدي النفسي الشديد عن تلك المهنة الجليلة المسماه بالطب.. إلا إني لا انكر كم تعلمت من ملاحظتها مثلها مثل باقي المهن والتي كانت مصدر تفسير امور كثيرة في  الحياة... خاصة ما اصطلح على تسميته في عرفها بالتشخيص...
ولكم كنت اصطدم بمعنى الكلمة خاصة حينما يقصد بها التمثيل أو تقمص الشخصيات عموما... حتى هبطت بذلك الكوكب الموازي والذي استطاع أن يمزج المعنيان معا...
أريد من مقدمتي تلك الالتفاف حول تلك الظاهرة في تصرفاتنا اليومية من التشخيص الدقيق والمستمر... ولكم يعشق هذا الشعب التشخيص دوما...
فهو يعلم سبب كل أمر مادامت الآراء متفقة...  حتى ينتحي متواريا خلف حكمة الخالق ورؤيته الالهية حتى لا تستطيع انت ان تقتحم اسوار تشخيصه بتفسيراتك العقيمة... ولو كانت عميقة...
لا يمل أبدا من تكرار التشخيص... وصف الحالة... سرد مراحلها... تشخيصه للحالة والمحٌلِل...
يستطيع في تشخيصه أن يجد كلمات تملأ ثنايا ساعاته الطوال دون ملل أو إخلال... ممزجا إياها بالحسبنة والتهكم... يتمنى دوما لو كان في ذلك المنصب كي يزيح الميل عمن أصابه...
دوما لديه مشكلات جاهزة لعرضها في بقايا وقته لحظات إنتظار المصعد أو إنتظار إنقشاع ساعات العمل الطويلة حتى يأتيه قرار العفو من أمين دفتر الإنصراف...
يستطيع أن يشرح لك تلك المشكلة المتعلقة بالخبز او المواصلات أو المجاري...
دوما هناك آخرون مخطئون... مقصرون... متهاونون...
إلا أن يتحرك خطوة واحدة نحو العلاج أو البحث عنه... دوما يتوقف عند مرحلة الوصف... ولا اتحدث هنا عن صحة او تخاذل وصفه... كل ما يعنيني هو توقف آماله عند تلك المرحلة... كما لو كانت معكرات الحياة أكثر إمتاعا في الحديث عنها... اكثر من حلها أو حتى التفكير في حلها...
كم من الوقت يقضيه في تأمل المشكلة دون البحث عن حلها او التعامل معها... ولو من باب تنشيط التفكير لا غير...
قد تستشعر إنسحابي من المقال قبل أن أجد حلا... قد تتهمني أيضا اني توقفت امام متعة التشخيص دون العلاج... ان كان ظنك بي هكذا فأهلا بك في نادي المشخصين...

الأحد، 7 أبريل 2013

ديليفرى



دق الباب كالموعد المحدد كل يوم... فهو عامل الديليفري... لتوصيل الوجبة كالمعتاد من المطعم الذي يمتلكه عمي الأكبر... فهو يرسل لي دوما وجباتي كاملة ... بل و يرسل لي الوجبة المناسبة في كل يوم... فهو يعرف متى أكون مريضا و احتاج لمواد غذائية معينة... متى يكون موعد إمتحاناتي ...
و لكنى الآن في غير حاجة إلى طعام... لن أفتح الباب لعامل التوصيل...فلست جائعا ... لقد سئمت أن يكون هناك من يختار لي طعامي... أتمنى أن أذهب إلى تلك المطاعم الكائنة في أنحاء المدينة وأختار لنفسي ما آكله...
يستمر الطرق... وانا ازيد العناد...حتى إضطررت أن افتح الباب واجده واقفا بذات الابتسامه ماددا يديه لي بوجبة اليوم... اشرت إليه أن يعود من حيثما يأتي آخذا معه ما يحمله من طعام...
اجده مستمر ا في إلحاحه... دافعا إياي إلى  الداخل ...
أقول له ليس من حقك دخول بيتي عنوة ودون موافقتي...لست سوى عامل توصيل...
يرد على مجيبا لقد كلفني عمك أن ازودك بالطعام الذي حدده لك...
اقاطعه ... حدده لي... لست انت من حدده... ليس لك شأن بقبولي إياه من عدمه...انتهت مهمتك بالتوصيل حتى باب بيتي... قبولي إياه من عدمه شأني انا و عمي فقط...لم يعطيك عمي تفويضا أن تجبرني على الأكل منه...
يستمر في دفعه لي للداخل مبتدئا فتح عبوات الطعام ... عازما ان يبدأ في إجباري بالفعل على الاكل منه...
عزيزي...
لا أقصد مطلقا أن اسرد عليك قصة حمقاء...أحاول فقط أن ابسط امامك أن الله و إن أعطاك مهمة توصيل كلمته... لم يعطيك سلطانا للإجبار عليها...
الله يستطيع أن يزرع كلمته داخل كل قلب ...لحظة خلقه... لا يحتاج إلي خليقه أخرى من اجل نشر كلمته...
أى وصية أعطاك خالقك لتؤذي من أُوكلت على توصيل كلمته-الله- إليه...

السبت، 2 فبراير 2013

حريات حائرة


قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة في تناول مصطلح قمع الحريات أنه منعا لها وللاستفادة منها، بل وقد يتصور البعض أنه يوجد نهاية للحرية في استخدام ذلك المصطلح المنفر، ولكن لا ينظر البعض في تناولة الأمر إلى معنى الحرية في ذاتها.. فالحرية أسمى من أن تكون منحة أو هبة من شخص حتى يستطيع منعها.. فهي لا تتوقف إلا بخيار صاحبها، فهي معه منذ تنفسه الأول، وإن كانت تُوٌكل له الاستفادة منها تدريجيا بحسب درجة مسئوليته عنها، فهي وإن كانت حق إلا أنها ممتزجة بالمسئولية عنها.

ويبدأ التدرج منذ الطفولة حين يترك الوالدان لطفلتهما حرية الاختيار بين قطعتين من الملابس أو نوعين من الحلوى، منوهين عن إلزامية قرارها وعدم قابليته للتغيير، مرورا بسن التمييز حين تعرف أن هناك من الأفعال ما يمس الغير، وأن بعضا منها يعود بعقاب عليها، ومنها ما يعود بشكر وثناء، وتظل رحلة التعرف بالحرية مستمرة حتى تصل إلى مرحلة الرشد، فيخولها القانون الاستفادة من حريتها بصورة كاملة، وأكرر بأنها مرحلة الاستفادة الكاملة مما ولد معها.

وفي تلك اللحظة تبدأ رحلة الذكريات أيضا في المرور أمام مخيلتها، عائدة لها بكل ما تصورته قهرا وكان توجيها، وكل ما توقعته حرية وكان إهمالا، وتتذكر كم من مرة استطاعت أن تقهر تلك الأسوار الوهمية حولها منفذةَ رغبتها المُلحة بصورتها البسيطة مما اثار لتلك الرغبات لذة خاصة في فعلها في الخفاء ورغما عن أنف كل توجيه أو منع.

وتصطدم تلك الذكريات الطفولية بواقعها حين تجد كلمة "محظور" لا حصر لها أو حظر عليها في الحياة اليومية، أو بمعنى أوضح.. في حياتها الخاصة يوميا. فتصطدم بما يسمى بتقاليد، لا تدري مصدرها التاريخي أو الديني أو حتى القانوني، تحاول مرارا وتكرارا أن تلتهم ما يظهر من حريتها أولا بأول، فكلمة "لم نعتد ذلك" كثيرا ما تجرح تلك الأذن، والتي لطالما ظلت مستمعة طيلة تلك السنين ما ترفض الاقتناع به بلا حيلة للرفض.

فتجد تلك المغلوبة على أمرها في مجتمع بالكاد يعترف لها ببعض الحقوق- أن حريتها صارت كلمة مشوشة مشوبة بالكثير من قيل وقال، ولا تدرك يقينا من الذي يقول.. هل حريتها مقيدة من المجتمع أم من ذكور عائلتها؟ أم هي من لا يستطيع أن يقتنص تلك الكلمة الحائرة؟
بين شبهات قانونية ودينية واجتماعية تظل حريتها حائرة بين قمع الرأى في دولة بوليسية تجد في الحريات خطرا، وبين إلغاء أهميتها المجتمعية لأنها سوف تنتقل مسئوليتها من والدها إلى زوجها، ومن ذَكَرِ إلى خَلَفِهِ.

ولا ينتبه ذلك المجتمع ولو للحظة أنه قد شارك في هذا القمع تجاهها، فهو يعيب على القانون أنه لم يصُن حرية المرأة، والتي لطالما ظل هو نفسه - المجتمع – يحاول مرارا وتكرارا أن يسلبها إياه تماما.. فهى دوما غير قادرة على اتخاذ قراراتها المصيرية, حل مشكلاتها, أو حتى إدارة شئون حياتها الخاصة.. فدوما حريتها خطر عليها، هي عُرضة للخطر والانجراف في الخطيئة والعلاقات المشبوهة، هى دوما في حاجة إلى المراقبة المستمرة ومتابعة كل تصرفاتها واقتحام كل مساحاتها الخاصة.. إلى أكثر من ذلك بكثير من صور انتهاك حرية المرأة.

ويستمر القَمع ويتولد لدينا جيلا من فاقدات الثقة بالنفس.. من يجدن في الزواج قيدا جديد،  يقبلن به أملا في تغيير شروط التقييد علها صارت أخف وطاة من ذي قبل، يرَون أن الرجال دوما متمتعين بكامل حريتهم في مجتمع ذكوري.

ولكن هل ما سبق كان كافيا لإجهاض الحرية رغم أنها ليست هبة من المجتمع ولا القانون؟ دعني أقول إن التخيير في استخدام الحرية هو الحرية ذاتها.. فمهما كانت تلك العوائق المحيطة والمسماة قمعا فهي لا تنال سوى من ضمانات الحرية، ولكن الحرية ذاتها لا منح لها ولا منع، فالحرية تنبع من داخلنا، وهي من يُشٌكل ضماناتها ويُصيها، قد لا تتاح الفرصة لحظيا، ولكن مما لا شك فيه أن الحرية تفرض ذاتها، ولكم من قصص ميلاد ضمانات الحريات في بلاد مختلفة كانت بدايتها التمسك بالحرية والإيمان بها حتى صارت الضمانات أمرا واقعا غير قابل للنقاش.

وإن أتناول الحرية من منظور المرأة.. فالمرأة هي مرآة تنعكس عليها صورة المجتمع في تطبيق الحرية.. فهى إن لم يتاح لها التمتع بحريتها كاملة.. فكيف ستخرج لنا نصف المجتمع الآخر فاقدا لذلك المفهوم.. فاقدا لمعنى الحرية. فالمعادلة لن تكتمل سوى من تلك البداية، فلن نستطيع أن نخرج جيلا يدرك تماما مقدار حريته إن لم يتربى على يد مرأة تكون مرآته في معرفه حريته بعد أن تذوقتها في مجتمع لم يستنكرها عليها.

تم نشرها في الشروق بتاريخ 1/2/2013
http://www.shorouknews.com/menbar/view.aspx?cdate=01022013&id=4a810437-513c-44e8-8ddb-712164480925اضغط هنا