الأحد، 13 أكتوبر، 2013

أفلام السبكي بين دور السينما وعيون المشاهدين


هل كانت السينما في دورها الأساسي أن تكون مرآة للواقع ام انها شاشة على المستقبل الذي نبغاه ونتمناه
يأتي موسم جديد للأفلام يحمل معه آراء الناس في تباين كعادتهم كبشر لا تخلو منه طبيعتهم اللهم إلا في نظرية القطيع..
نجد شريحة من ارباب الثقافة ومدعيها ومشتهيها الظهور على الساحة في هجومهم المدوي على أفلام السبكي وكيف أنها لا ترتقي ودون المستوى الثقافي المفترض تقديمه لشعب لديه ولو الحد الأدنى من التثقيف أو الرغبة فيه
 وأتخذ من الأفلام التي تنتجها شركة السبكي للانتاج الفني كمثال بسيط لتقديم وجهة نظري نظرا لكونها ذات نصيب الأسد دوما من الجدل
( ليس الحديث هنا عن صحة أسباب الهجوم من عدمه أو عن تأثيرعرض تلك الأفلام على المشاهدين )
على الجانب الآخر نجد اراء اخرى لا تعرب عن ذاتها بمثل تلك الكلمات الرنانة مثل المثقفين في الفقرة السابقة.. فهم لا يمتلكون العدة المطلوبة لذلك. وانما يقدمون تلك الآراء في جنيهاتهم المقدمة عطاء في مناقصة لرسو بعض من البسمة  أو المتعة في مزاد دلاله الزمن المحيطة بنا بعجائبه..
وبلا شك فإن تلك الأموال المتدفقة لم تكن كلها بعيدة عن تلك الفئة من المثقفين.. بل دعني اقولها ان نسبة لا بأس منها تخصهم بالفعل..
أرى تلك الآراء بعينها كانت يتم لصقها بثورة 25 يناير حينما كان يتم توجيه اللوم إليها بأى شكل مثل انها كانت لفئة من البلطجية او ما شابه من تعليقات فكانوا يحاولون دوما إرفاقها بطبقة المثقفين الذين خرجوا بلا مصلحة لديهم فيها.. على الرغم من كون اولئك ساكني العشوائيات ومرتادي الملاهي الليلية  أو أى كانت الفئات المرفوض تقديمها في أفلام السبكي ليسوا عالة على ذلك المجتمع وهم جزء من تكوينه وان أبى الناكرون.. هل يعلم اولئك ان هناك مجتمعا موازيا داخليا يحتوى من الملاهي الليلية 3500 وان عدد الراقصات يتجاوز ال 5000
هل يعملون ان هناك مجتمعا آخر موازيا فيه 1034 حى عشوائي حسب أقل المصادر عددا
فتلك الأفلام لم تأتي بتلك الصورة من محض الخيال ولو كانت طريقة التقديم ذاتها لا توجد حلا وإنما أعتبرها جرس إنذار لا يدركه سوى مرهفو التقدير
نعود إلى مثقفينا الأجلاء الذين وجدوا ان اسهل وابسط كثيرا ان يقوموا بتكوين صورتهم الخاصة للوطن مزيحين منه كل تلك الصور الواقعية المسلوخة بشكلها ومضمونها من ذلك المجتمع الذي يعيشون فيه.. بدلا من محاولا ازالتها من الواقع ذاته..

يجب أن نضحك.. قبل الحصول على صورة جميلة..

منشور في الاسماعيلية برس بتاريخ 13/10/2013
http://www.ismailia.me/articles/107580.html

السبت، 1 يونيو، 2013

أنين التعافِ


يفيق مجددا على ذلك المشهد الخاوى دون إشعار جديد... فلا يعلم أين ذهبت ولا إمكانية عودتها لاحقا... يعلم جيدا أنها ليست ههنا حقا... ولكن إشتياقه إليها كان له تصرف آخر... بعيدا عن تحكم المنطق في حياته... فلقد مَنْطَق هو تصرفاته بما يتيح له لقاؤها كيفما يشاء...
فكان يمارس ما شابه إستحضار الأرواح حين يلتحف تلك النغمات المطرزة بذلك العطر لحمايته في رحلته من أى سهام متطايرة من واقعه المحيط...ويبحر لتلك الساعات التي كانت مِنٌه العمر عليه معها... ولم يٌشغله مطلقا ما سوف يسمعه منها... فلا يضيره تخيلها صامته لساعات طويلة دون ملل... أو قد يلقنها بعضا من عباراتها السابقة معه...
ولكن تلك اليد الحانية للذكريات والتي لطالما امتدت لم يكن بمقدورها إلتقاط ما يزيد عن صورة باهتة يجتاحها أدنى مشتت عابر مٌفيقا إياه من غيبوبته المصطنعة في مناداتها...
أيقن تماما بمنطقه الخاص أنه لم يعد منه مفر... فرأى في المرض النفسي علاجه الوحيد الذي يغنيه إنتظار الصدف... وإنقاذه من ذلك الوعى القاسي الخالي من وجودها وكلماتها...
ومن هنا كانت صفقته مع المرض.. فلديه عقلا لم يتذوق المرض مثيله من قبل... مقابل وجودها معه دون تلك الإفاقة الملعونة...
ولكنه لم يدرك حقيقة إن كان لازال لديه الخيار من عدمه... هل ماهو فيه حقا صفقة أم تهيئة أم تكييف... وهل يطرق المرض النفسي الوعي قبل الإلتهام؟؟..
كانت الحقيقة الوحيدة المؤكدة لذلك العقل هى تمرده على ذلك القدر البغيض... رغم إفلاس جعبته ماعدا التخلي عما حرمه إياه... أو التخلي عن الوعى به من الأساس...
فإن كان من قبل قد أزاح عن خياله الستار من أجلها.. فقد حان الوقت ليزيح الواقع من أمامها... فحان الوقت لإستبدال تلك الحياة المفروضة بحياه مفترضه...
ظل يحدق في محتويات منزله ويتخيل كم ستكون ألوانها في نوباته... وهل سوف تظل هى بذاتها أم ستتبدل... وهل سيتذكر أنها تغيرت من الأساس...
ولكن من يضمن له أنه سوف يظل في هذا المنزل في تلك النوبات... وهل سوف يراعي المرض أسباب إلتجائه... من يضمن له رحمه ذلك المرض ورفقته به... إذن لن يضمن له المرض أن تكون رقيقته هى محور النوبات... رغم أن المرض سوف يكون أكثر سخاءً مما تقدمه له تلك العقاقير التي يتقمص مفعولها عَلٌـهُ يصير أسلوبه للحياة دون جدوى...
فحاول أن يبتكر قانونا يحكم تلك لإفتراضات لما سوف يراه في نوباته وهو لازال في أوج رشده... ولكنه لم يكن قابضا بذراعيه ما احتواه عقله الباطن عبر السنين... فلم يضمن ما سوف يخرج للنور مزلزلا إفاقته المنشودة عن إغمائة فراقها...
يتنبه إلى كونه لازال يُحكم خيوط تفكيره هو أبسط الأدلة على حريته التي لم يسلمها للمرض بعد... ولكن كل عقل  في داخله يرى صلاحيته المتجددة... فلابد من مؤثر خارجي يضمن له أنه لازال قيد الرشد بعد... ولكنه تراخى عن تلك الفرضية حين انتبه إلى ان العقل إن ذهبت رجاحته... إستطاع أن يصور لك إطراء الآخرين بإستمرارها...

يعود إليه صوتها متسائلا  أين ذهبت بفكرك عني... فيعود التساؤل حول ما إن كانت هنا حقا أم أنها نوباته تعلن عن ذاتها...  فينتحي جانبا كل ما دار بذهنه... مستمتعا بتلك اللحظات سارقا إلى رئتيه ما استطاع منها... حتى إشعار جديد...

الأربعاء، 22 مايو، 2013

بلد دكاترة صحيح...


برغم بعدي النفسي الشديد عن تلك المهنة الجليلة المسماه بالطب.. إلا إني لا انكر كم تعلمت من ملاحظتها مثلها مثل باقي المهن والتي كانت مصدر تفسير امور كثيرة في  الحياة... خاصة ما اصطلح على تسميته في عرفها بالتشخيص...
ولكم كنت اصطدم بمعنى الكلمة خاصة حينما يقصد بها التمثيل أو تقمص الشخصيات عموما... حتى هبطت بذلك الكوكب الموازي والذي استطاع أن يمزج المعنيان معا...
أريد من مقدمتي تلك الالتفاف حول تلك الظاهرة في تصرفاتنا اليومية من التشخيص الدقيق والمستمر... ولكم يعشق هذا الشعب التشخيص دوما...
فهو يعلم سبب كل أمر مادامت الآراء متفقة...  حتى ينتحي متواريا خلف حكمة الخالق ورؤيته الالهية حتى لا تستطيع انت ان تقتحم اسوار تشخيصه بتفسيراتك العقيمة... ولو كانت عميقة...
لا يمل أبدا من تكرار التشخيص... وصف الحالة... سرد مراحلها... تشخيصه للحالة والمحٌلِل...
يستطيع في تشخيصه أن يجد كلمات تملأ ثنايا ساعاته الطوال دون ملل أو إخلال... ممزجا إياها بالحسبنة والتهكم... يتمنى دوما لو كان في ذلك المنصب كي يزيح الميل عمن أصابه...
دوما لديه مشكلات جاهزة لعرضها في بقايا وقته لحظات إنتظار المصعد أو إنتظار إنقشاع ساعات العمل الطويلة حتى يأتيه قرار العفو من أمين دفتر الإنصراف...
يستطيع أن يشرح لك تلك المشكلة المتعلقة بالخبز او المواصلات أو المجاري...
دوما هناك آخرون مخطئون... مقصرون... متهاونون...
إلا أن يتحرك خطوة واحدة نحو العلاج أو البحث عنه... دوما يتوقف عند مرحلة الوصف... ولا اتحدث هنا عن صحة او تخاذل وصفه... كل ما يعنيني هو توقف آماله عند تلك المرحلة... كما لو كانت معكرات الحياة أكثر إمتاعا في الحديث عنها... اكثر من حلها أو حتى التفكير في حلها...
كم من الوقت يقضيه في تأمل المشكلة دون البحث عن حلها او التعامل معها... ولو من باب تنشيط التفكير لا غير...
قد تستشعر إنسحابي من المقال قبل أن أجد حلا... قد تتهمني أيضا اني توقفت امام متعة التشخيص دون العلاج... ان كان ظنك بي هكذا فأهلا بك في نادي المشخصين...

الأحد، 7 أبريل، 2013

ديليفرى



دق الباب كالموعد المحدد كل يوم... فهو عامل الديليفري... لتوصيل الوجبة كالمعتاد من المطعم الذي يمتلكه عمي الأكبر... فهو يرسل لي دوما وجباتي كاملة ... بل و يرسل لي الوجبة المناسبة في كل يوم... فهو يعرف متى أكون مريضا و احتاج لمواد غذائية معينة... متى يكون موعد إمتحاناتي ...
و لكنى الآن في غير حاجة إلى طعام... لن أفتح الباب لعامل التوصيل...فلست جائعا ... لقد سئمت أن يكون هناك من يختار لي طعامي... أتمنى أن أذهب إلى تلك المطاعم الكائنة في أنحاء المدينة وأختار لنفسي ما آكله...
يستمر الطرق... وانا ازيد العناد...حتى إضطررت أن افتح الباب واجده واقفا بذات الابتسامه ماددا يديه لي بوجبة اليوم... اشرت إليه أن يعود من حيثما يأتي آخذا معه ما يحمله من طعام...
اجده مستمر ا في إلحاحه... دافعا إياي إلى  الداخل ...
أقول له ليس من حقك دخول بيتي عنوة ودون موافقتي...لست سوى عامل توصيل...
يرد على مجيبا لقد كلفني عمك أن ازودك بالطعام الذي حدده لك...
اقاطعه ... حدده لي... لست انت من حدده... ليس لك شأن بقبولي إياه من عدمه...انتهت مهمتك بالتوصيل حتى باب بيتي... قبولي إياه من عدمه شأني انا و عمي فقط...لم يعطيك عمي تفويضا أن تجبرني على الأكل منه...
يستمر في دفعه لي للداخل مبتدئا فتح عبوات الطعام ... عازما ان يبدأ في إجباري بالفعل على الاكل منه...
عزيزي...
لا أقصد مطلقا أن اسرد عليك قصة حمقاء...أحاول فقط أن ابسط امامك أن الله و إن أعطاك مهمة توصيل كلمته... لم يعطيك سلطانا للإجبار عليها...
الله يستطيع أن يزرع كلمته داخل كل قلب ...لحظة خلقه... لا يحتاج إلي خليقه أخرى من اجل نشر كلمته...
أى وصية أعطاك خالقك لتؤذي من أُوكلت على توصيل كلمته-الله- إليه...

السبت، 2 فبراير، 2013

حريات حائرة


قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة في تناول مصطلح قمع الحريات أنه منعا لها وللاستفادة منها، بل وقد يتصور البعض أنه يوجد نهاية للحرية في استخدام ذلك المصطلح المنفر، ولكن لا ينظر البعض في تناولة الأمر إلى معنى الحرية في ذاتها.. فالحرية أسمى من أن تكون منحة أو هبة من شخص حتى يستطيع منعها.. فهي لا تتوقف إلا بخيار صاحبها، فهي معه منذ تنفسه الأول، وإن كانت تُوٌكل له الاستفادة منها تدريجيا بحسب درجة مسئوليته عنها، فهي وإن كانت حق إلا أنها ممتزجة بالمسئولية عنها.

ويبدأ التدرج منذ الطفولة حين يترك الوالدان لطفلتهما حرية الاختيار بين قطعتين من الملابس أو نوعين من الحلوى، منوهين عن إلزامية قرارها وعدم قابليته للتغيير، مرورا بسن التمييز حين تعرف أن هناك من الأفعال ما يمس الغير، وأن بعضا منها يعود بعقاب عليها، ومنها ما يعود بشكر وثناء، وتظل رحلة التعرف بالحرية مستمرة حتى تصل إلى مرحلة الرشد، فيخولها القانون الاستفادة من حريتها بصورة كاملة، وأكرر بأنها مرحلة الاستفادة الكاملة مما ولد معها.

وفي تلك اللحظة تبدأ رحلة الذكريات أيضا في المرور أمام مخيلتها، عائدة لها بكل ما تصورته قهرا وكان توجيها، وكل ما توقعته حرية وكان إهمالا، وتتذكر كم من مرة استطاعت أن تقهر تلك الأسوار الوهمية حولها منفذةَ رغبتها المُلحة بصورتها البسيطة مما اثار لتلك الرغبات لذة خاصة في فعلها في الخفاء ورغما عن أنف كل توجيه أو منع.

وتصطدم تلك الذكريات الطفولية بواقعها حين تجد كلمة "محظور" لا حصر لها أو حظر عليها في الحياة اليومية، أو بمعنى أوضح.. في حياتها الخاصة يوميا. فتصطدم بما يسمى بتقاليد، لا تدري مصدرها التاريخي أو الديني أو حتى القانوني، تحاول مرارا وتكرارا أن تلتهم ما يظهر من حريتها أولا بأول، فكلمة "لم نعتد ذلك" كثيرا ما تجرح تلك الأذن، والتي لطالما ظلت مستمعة طيلة تلك السنين ما ترفض الاقتناع به بلا حيلة للرفض.

فتجد تلك المغلوبة على أمرها في مجتمع بالكاد يعترف لها ببعض الحقوق- أن حريتها صارت كلمة مشوشة مشوبة بالكثير من قيل وقال، ولا تدرك يقينا من الذي يقول.. هل حريتها مقيدة من المجتمع أم من ذكور عائلتها؟ أم هي من لا يستطيع أن يقتنص تلك الكلمة الحائرة؟
بين شبهات قانونية ودينية واجتماعية تظل حريتها حائرة بين قمع الرأى في دولة بوليسية تجد في الحريات خطرا، وبين إلغاء أهميتها المجتمعية لأنها سوف تنتقل مسئوليتها من والدها إلى زوجها، ومن ذَكَرِ إلى خَلَفِهِ.

ولا ينتبه ذلك المجتمع ولو للحظة أنه قد شارك في هذا القمع تجاهها، فهو يعيب على القانون أنه لم يصُن حرية المرأة، والتي لطالما ظل هو نفسه - المجتمع – يحاول مرارا وتكرارا أن يسلبها إياه تماما.. فهى دوما غير قادرة على اتخاذ قراراتها المصيرية, حل مشكلاتها, أو حتى إدارة شئون حياتها الخاصة.. فدوما حريتها خطر عليها، هي عُرضة للخطر والانجراف في الخطيئة والعلاقات المشبوهة، هى دوما في حاجة إلى المراقبة المستمرة ومتابعة كل تصرفاتها واقتحام كل مساحاتها الخاصة.. إلى أكثر من ذلك بكثير من صور انتهاك حرية المرأة.

ويستمر القَمع ويتولد لدينا جيلا من فاقدات الثقة بالنفس.. من يجدن في الزواج قيدا جديد،  يقبلن به أملا في تغيير شروط التقييد علها صارت أخف وطاة من ذي قبل، يرَون أن الرجال دوما متمتعين بكامل حريتهم في مجتمع ذكوري.

ولكن هل ما سبق كان كافيا لإجهاض الحرية رغم أنها ليست هبة من المجتمع ولا القانون؟ دعني أقول إن التخيير في استخدام الحرية هو الحرية ذاتها.. فمهما كانت تلك العوائق المحيطة والمسماة قمعا فهي لا تنال سوى من ضمانات الحرية، ولكن الحرية ذاتها لا منح لها ولا منع، فالحرية تنبع من داخلنا، وهي من يُشٌكل ضماناتها ويُصيها، قد لا تتاح الفرصة لحظيا، ولكن مما لا شك فيه أن الحرية تفرض ذاتها، ولكم من قصص ميلاد ضمانات الحريات في بلاد مختلفة كانت بدايتها التمسك بالحرية والإيمان بها حتى صارت الضمانات أمرا واقعا غير قابل للنقاش.

وإن أتناول الحرية من منظور المرأة.. فالمرأة هي مرآة تنعكس عليها صورة المجتمع في تطبيق الحرية.. فهى إن لم يتاح لها التمتع بحريتها كاملة.. فكيف ستخرج لنا نصف المجتمع الآخر فاقدا لذلك المفهوم.. فاقدا لمعنى الحرية. فالمعادلة لن تكتمل سوى من تلك البداية، فلن نستطيع أن نخرج جيلا يدرك تماما مقدار حريته إن لم يتربى على يد مرأة تكون مرآته في معرفه حريته بعد أن تذوقتها في مجتمع لم يستنكرها عليها.

تم نشرها في الشروق بتاريخ 1/2/2013
http://www.shorouknews.com/menbar/view.aspx?cdate=01022013&id=4a810437-513c-44e8-8ddb-712164480925اضغط هنا

الجمعة، 1 فبراير، 2013

عاهرة بلا كذب...



لم يكن الأمر بتلك البساطة التي يستطيع بها ان يسٌلم بمسألة كذبها...فهو لم يعتاد الكذب في حياته اليوميه ...لا يعرف طرق النفاق والتدليس ... ولا يتوقعهما من الآخرين...خاصة مع كل تلك الكلمات من الحب والتعبير عنه... فكان يصطدم بين ذلك الحب المُعلن وصوت العقل حين ينبهه الى مراوغاتها وكذبها ... ولكنه كان يرتمي دوما في كلمه واحده منها ليتخلى تماما عن صوت المنطق البغيض والذي يحاول حرمانه دوما من حبها له ...
كان يعلم تمام العلم ان علاقتهما هى قاع الخطيئة...علاقة فاشلة لن تكتمل...يدرك يقينا انه لا يحبها وانما يحب الهروب في كلمات حبها... ولكنه تعلق بها وأدمن تلك التفاعلات الكيميائية الداخلية والتي على حد رضائه تغنيه الم الذكريات... وتقيه السقوط في بئر الندم...فإصراره على تقبيح صورته في عينيه تزيح عنه مزيد من القبح يريد ان ينشغل عن رؤيته...
رغم ذلك...كانت بضعة مبادئ متبقية لم تشوبها تلك العلاقة المظلمة... فهو لم يكذب على حد زعمه...رغم انه لا يستطيع اعلان تلك العلاقة...كان يُعاملها بأصول اللياقة ... رغم انه لا امتهان لانسانيتها اكثر من علاقة قوامها بيولوجي وتوقيتها قمري تتبخر مع اول ضوء للشمس...
ولكنه ظل مغيبا في بضعه من المبادئ المتبقيه لديه من حياته الاولى قبل ان تنزلق قدماه الى تلك العلاقة الهدامة لكل المعاني الداخلية...ظل موقنا تمام اليقين انها لا تكذب ... فهو وان تحدث عن معلومه غير صحيحة كانت نوبات الضمير الحائر اكثر الحاحا وزخما من تلك العلاقة المشبوهة نفسها...
ظل على أمل أنها أيضا سوف تقوم بتفضيله على نفسها...كان يبحث عن الإيثار في ظل علاقة لا تبعث حتى على حب النفس... علاقة ملؤها النهم من بركة راكدة لا حياة فيها ولا إحياء ... علاقة لا تروي بقدر ما تثير عطشا ...
لم يٌعِر اهتماما لقواعد اللعبة الجديدة والتي تختلف تماما عن تلك القواعد التي كان يتعايش بها في بيئته الصالحة...
كان يعلم انه ليس الأول ...ولن يكون الآخير... اما هى فلم يعبأ بترتيبها من الاساس...فلم يحتسبها سوى محرقة لاحزانه... رغم لسعتها الرقيقة داخل قلبه... فهو لم يحاول تحذير نفسه كم من مشاعر تحترق جذورها عند اقدامها وقد لا يجد القدرة مجددا على الاحساس باية فتاة فيما بعد...
أنه قد دمر تلك المتعة الأولى لكلمات عدة عاش عمره يتخيل كيف سيلقيها على سماع رقيقته...
قد لا ينكر مطلقا انه قد اقتحم بها اكثر مقدسات المرأة ... عايش نفسيتها ... ملذاتها وآلامها... على تلك الصورة التي تركتها ترتستم داخله... بينما تلك كانت الصبغة التي تنتظر اية انثى ولو مرت مرور الكرام امام عيناه فيما بعد ...تلك الصورة التي قد شوهت فعلا كل طهارة في الانثى تلك التي لم يكن يرسمها سوى بعذب الابيات ان اوحِىَ ...
لا ينكر انه وجد فيها ما يبدو شفاء من جروح تمت تغطيتها بعناية.... بغطاء من عدم التجاسر على النظر إليها ... لقد أخفت جراحه بعدما تلاشت لديه الجرأة أن يجمع في ذهنه نجاسه اليوم ورقيقة الأمس ....ذلك الذهن الافلاطوني الذي قد تلوث بتلك الاقدام الحاملة من الاوحال اثقالا ...
يظل يحاول انتزاع فلسفة جديدة من أفعاله ولم يجد.. كان طوق النجاه الذي يتمنى ان يأتيه هو لحظة إفاقه لضميرها ...ليقوم هو بدور الشيطان مجددا ... و حينما يمثل ضميره دور الانتحاري في انقاذه..تتولى هي دور الطوفان ....
 يفيق من تلك الذكريات وهو يكتب مقالته عن مصداقيه تصريحات البعض ...فهو لازال يبحث عن الجواهر في صفائح القمامة...

حريتى وأخواتها


لم يكن مشهد البداية سوى كلمات متناغمة تسير المارش العسكري بصحبة الأنغام الحماسية في طريقها لممارسة طقوس التعبد أمام صنم الحرية, من يمنحها لنا كل يوم وكل خطاب وكأننا من يسئ استخدامها فيمسك بنفوسنا الرقيقة حتى لا نؤذى حياتنا بحريتنا.
وتتوالى المشاهد تكرارا ومسخا وإسفافا ولكن تعلو كلمة الحرية صوتا, ويترامى صداها في الفضاء الفسيح حيث النجم العالي يشاهد ذلك الصنم متصدعا متهاويا ساقطا أمام تلك الكلمة.

ويحيط بنا جميعا ذلك المشهد الصامت ذو المهابة والخشوع حيث نجد ذلك الصندوق الثمين المحتوي جوهرتنا الغالية جوار يد الصنم الساقط للتو, نجد حريتنا أمامنا ولا نجترئ أن نمسك بها. فلا نعلم عنها سوى اسمها, ولكن عرفنا الآن من وحي المشهد أنها تتيح لأي كان أن يتحدث باسمها, ويعلن عنها ويتولى أمانتها ويقسمها بالتساوى للجميع. فوقفنا جميعا ننتظر نصيبنا حتى طال الانتظار. ووقفت الحرية تتحدث عن نفسها: "لا تبحث عني ولا يضيق بك العالم بحثا, فأنا لست في قرارات حاكم ولا بين كلمات دستور, قبل هذا وذاك أنا داخلك, فهناك فرق بين الحرية ذاتها وبين من يكفل الحرية".

فلم أعد أنتظر الحرية من مانح جديد بعد إدراكي أن مانحها مانح الحياة ذاتها, من لم يجبرني على قبوله ذاته في حياتي, فكانت أول حرية هى الحرية في قبول خالقها, وأن الحرية أسلوب حياة قبل أن تكون نصوص, فالنصوص تكفل الحرية ولا تخلقها. فالحرية هي حلقة الوصل بين الأخلاق الاجتماعية, فأنت حر أن تنتقد, لست حرا أن تحرض. حرا أن تقارن, لست حرا أن تكون عنصريا, حرا في رأيك, لست حرا في تهميش الرأى الآخر. فهي الموازنة بين حقوقك وواجباتك, كما لوكانت نور يتسع لجميع خطواتك التي لا تضغط على قدم أحد.

وإن أفصحت الحرية عن نفسها إلا إنها لا تفرض نفسها علينا, فعلينا أن نقبلها داخلنا وفي سلوكنا لأننا من سيتحمل مسئولية تصرفاتنا, فهناك من يرفضها هاربا نحو دفء العبودية حيث دوما من يتحمل مسئولية حاله ومآسيه.
فالقهر لا يلغي الحرية, وإنما يلغيها خنوعك انت له. فالصنم سالف الذكر لم يمنع عنا الحرية كما ظننا, وإنما أوهمنا بذلك, لأنه يمتلك قهر المعذبين وسخرية المقيدين. لم ندرك يوما أن حريتنا كانت معنا نحن رغم ذلك المشهد التاريخي أن حريتنا عادت إلينا راكضة بعد لحظات من سقوط الصنم. فلم تكن تلك حريتنا من يركض إلينا, وإنما مسخ جديد يريد إستكمال إيهامنا أننا أحرار تماما كما كان يخبرنا ذلك الصنم.

فمهما زاد القهر فستظل دوما لك حرية الاختيار. فإن أسعفنى القول فإن التخيير في استخدام الحرية هو الحرية ذاتها. كل ما هنالك أن هناك تقصير في كفالتها من قبل من يقع على عاتقه ذلك.

قد يكون هناك من يحاول منعك من إبداء رأيتك, تغيير معتقدك, فلسفتك في الحياة, أسلوب حياتك ومعيشتك, التنقل والإتصال. بل قد يصل بهم الأمر إلى محاولة قتل حرية الخيال داخلك, خوفا منك غدا أن تكون, فحريتك تجعلك أقوى أمام أى طاغية ومسيطر ولو كان هذا الطاغية هو مخاوفك.
ولا تنخدع أبدا بأخوات الحرية وظلالها حين يخدعنك بها بأنك تتمتع بها حقا مثل زمن طال حتى انتهى, فلا تعد تبحث عنها.. استخدمها.. تعرف عليها من جديد, لا تغمض عينيك أمام قسوة النور من بعد ظلام.. استمتع بدموع أول شعاع نور. ولا تتركها بيد مانع أو مانح من جديد.

تم نشرها في الشروق بتاريخ 23/12/2012
http://www.shorouknews.com/menbar/view.aspx?cdate=23122012&id=1b27b086-ff11-441c-8968-ab088e2a49a1