السبت، 2 فبراير، 2013

حريات حائرة


قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة في تناول مصطلح قمع الحريات أنه منعا لها وللاستفادة منها، بل وقد يتصور البعض أنه يوجد نهاية للحرية في استخدام ذلك المصطلح المنفر، ولكن لا ينظر البعض في تناولة الأمر إلى معنى الحرية في ذاتها.. فالحرية أسمى من أن تكون منحة أو هبة من شخص حتى يستطيع منعها.. فهي لا تتوقف إلا بخيار صاحبها، فهي معه منذ تنفسه الأول، وإن كانت تُوٌكل له الاستفادة منها تدريجيا بحسب درجة مسئوليته عنها، فهي وإن كانت حق إلا أنها ممتزجة بالمسئولية عنها.

ويبدأ التدرج منذ الطفولة حين يترك الوالدان لطفلتهما حرية الاختيار بين قطعتين من الملابس أو نوعين من الحلوى، منوهين عن إلزامية قرارها وعدم قابليته للتغيير، مرورا بسن التمييز حين تعرف أن هناك من الأفعال ما يمس الغير، وأن بعضا منها يعود بعقاب عليها، ومنها ما يعود بشكر وثناء، وتظل رحلة التعرف بالحرية مستمرة حتى تصل إلى مرحلة الرشد، فيخولها القانون الاستفادة من حريتها بصورة كاملة، وأكرر بأنها مرحلة الاستفادة الكاملة مما ولد معها.

وفي تلك اللحظة تبدأ رحلة الذكريات أيضا في المرور أمام مخيلتها، عائدة لها بكل ما تصورته قهرا وكان توجيها، وكل ما توقعته حرية وكان إهمالا، وتتذكر كم من مرة استطاعت أن تقهر تلك الأسوار الوهمية حولها منفذةَ رغبتها المُلحة بصورتها البسيطة مما اثار لتلك الرغبات لذة خاصة في فعلها في الخفاء ورغما عن أنف كل توجيه أو منع.

وتصطدم تلك الذكريات الطفولية بواقعها حين تجد كلمة "محظور" لا حصر لها أو حظر عليها في الحياة اليومية، أو بمعنى أوضح.. في حياتها الخاصة يوميا. فتصطدم بما يسمى بتقاليد، لا تدري مصدرها التاريخي أو الديني أو حتى القانوني، تحاول مرارا وتكرارا أن تلتهم ما يظهر من حريتها أولا بأول، فكلمة "لم نعتد ذلك" كثيرا ما تجرح تلك الأذن، والتي لطالما ظلت مستمعة طيلة تلك السنين ما ترفض الاقتناع به بلا حيلة للرفض.

فتجد تلك المغلوبة على أمرها في مجتمع بالكاد يعترف لها ببعض الحقوق- أن حريتها صارت كلمة مشوشة مشوبة بالكثير من قيل وقال، ولا تدرك يقينا من الذي يقول.. هل حريتها مقيدة من المجتمع أم من ذكور عائلتها؟ أم هي من لا يستطيع أن يقتنص تلك الكلمة الحائرة؟
بين شبهات قانونية ودينية واجتماعية تظل حريتها حائرة بين قمع الرأى في دولة بوليسية تجد في الحريات خطرا، وبين إلغاء أهميتها المجتمعية لأنها سوف تنتقل مسئوليتها من والدها إلى زوجها، ومن ذَكَرِ إلى خَلَفِهِ.

ولا ينتبه ذلك المجتمع ولو للحظة أنه قد شارك في هذا القمع تجاهها، فهو يعيب على القانون أنه لم يصُن حرية المرأة، والتي لطالما ظل هو نفسه - المجتمع – يحاول مرارا وتكرارا أن يسلبها إياه تماما.. فهى دوما غير قادرة على اتخاذ قراراتها المصيرية, حل مشكلاتها, أو حتى إدارة شئون حياتها الخاصة.. فدوما حريتها خطر عليها، هي عُرضة للخطر والانجراف في الخطيئة والعلاقات المشبوهة، هى دوما في حاجة إلى المراقبة المستمرة ومتابعة كل تصرفاتها واقتحام كل مساحاتها الخاصة.. إلى أكثر من ذلك بكثير من صور انتهاك حرية المرأة.

ويستمر القَمع ويتولد لدينا جيلا من فاقدات الثقة بالنفس.. من يجدن في الزواج قيدا جديد،  يقبلن به أملا في تغيير شروط التقييد علها صارت أخف وطاة من ذي قبل، يرَون أن الرجال دوما متمتعين بكامل حريتهم في مجتمع ذكوري.

ولكن هل ما سبق كان كافيا لإجهاض الحرية رغم أنها ليست هبة من المجتمع ولا القانون؟ دعني أقول إن التخيير في استخدام الحرية هو الحرية ذاتها.. فمهما كانت تلك العوائق المحيطة والمسماة قمعا فهي لا تنال سوى من ضمانات الحرية، ولكن الحرية ذاتها لا منح لها ولا منع، فالحرية تنبع من داخلنا، وهي من يُشٌكل ضماناتها ويُصيها، قد لا تتاح الفرصة لحظيا، ولكن مما لا شك فيه أن الحرية تفرض ذاتها، ولكم من قصص ميلاد ضمانات الحريات في بلاد مختلفة كانت بدايتها التمسك بالحرية والإيمان بها حتى صارت الضمانات أمرا واقعا غير قابل للنقاش.

وإن أتناول الحرية من منظور المرأة.. فالمرأة هي مرآة تنعكس عليها صورة المجتمع في تطبيق الحرية.. فهى إن لم يتاح لها التمتع بحريتها كاملة.. فكيف ستخرج لنا نصف المجتمع الآخر فاقدا لذلك المفهوم.. فاقدا لمعنى الحرية. فالمعادلة لن تكتمل سوى من تلك البداية، فلن نستطيع أن نخرج جيلا يدرك تماما مقدار حريته إن لم يتربى على يد مرأة تكون مرآته في معرفه حريته بعد أن تذوقتها في مجتمع لم يستنكرها عليها.

تم نشرها في الشروق بتاريخ 1/2/2013
http://www.shorouknews.com/menbar/view.aspx?cdate=01022013&id=4a810437-513c-44e8-8ddb-712164480925اضغط هنا

الجمعة، 1 فبراير، 2013

عاهرة بلا كذب...



لم يكن الأمر بتلك البساطة التي يستطيع بها ان يسٌلم بمسألة كذبها...فهو لم يعتاد الكذب في حياته اليوميه ...لا يعرف طرق النفاق والتدليس ... ولا يتوقعهما من الآخرين...خاصة مع كل تلك الكلمات من الحب والتعبير عنه... فكان يصطدم بين ذلك الحب المُعلن وصوت العقل حين ينبهه الى مراوغاتها وكذبها ... ولكنه كان يرتمي دوما في كلمه واحده منها ليتخلى تماما عن صوت المنطق البغيض والذي يحاول حرمانه دوما من حبها له ...
كان يعلم تمام العلم ان علاقتهما هى قاع الخطيئة...علاقة فاشلة لن تكتمل...يدرك يقينا انه لا يحبها وانما يحب الهروب في كلمات حبها... ولكنه تعلق بها وأدمن تلك التفاعلات الكيميائية الداخلية والتي على حد رضائه تغنيه الم الذكريات... وتقيه السقوط في بئر الندم...فإصراره على تقبيح صورته في عينيه تزيح عنه مزيد من القبح يريد ان ينشغل عن رؤيته...
رغم ذلك...كانت بضعة مبادئ متبقية لم تشوبها تلك العلاقة المظلمة... فهو لم يكذب على حد زعمه...رغم انه لا يستطيع اعلان تلك العلاقة...كان يُعاملها بأصول اللياقة ... رغم انه لا امتهان لانسانيتها اكثر من علاقة قوامها بيولوجي وتوقيتها قمري تتبخر مع اول ضوء للشمس...
ولكنه ظل مغيبا في بضعه من المبادئ المتبقيه لديه من حياته الاولى قبل ان تنزلق قدماه الى تلك العلاقة الهدامة لكل المعاني الداخلية...ظل موقنا تمام اليقين انها لا تكذب ... فهو وان تحدث عن معلومه غير صحيحة كانت نوبات الضمير الحائر اكثر الحاحا وزخما من تلك العلاقة المشبوهة نفسها...
ظل على أمل أنها أيضا سوف تقوم بتفضيله على نفسها...كان يبحث عن الإيثار في ظل علاقة لا تبعث حتى على حب النفس... علاقة ملؤها النهم من بركة راكدة لا حياة فيها ولا إحياء ... علاقة لا تروي بقدر ما تثير عطشا ...
لم يٌعِر اهتماما لقواعد اللعبة الجديدة والتي تختلف تماما عن تلك القواعد التي كان يتعايش بها في بيئته الصالحة...
كان يعلم انه ليس الأول ...ولن يكون الآخير... اما هى فلم يعبأ بترتيبها من الاساس...فلم يحتسبها سوى محرقة لاحزانه... رغم لسعتها الرقيقة داخل قلبه... فهو لم يحاول تحذير نفسه كم من مشاعر تحترق جذورها عند اقدامها وقد لا يجد القدرة مجددا على الاحساس باية فتاة فيما بعد...
أنه قد دمر تلك المتعة الأولى لكلمات عدة عاش عمره يتخيل كيف سيلقيها على سماع رقيقته...
قد لا ينكر مطلقا انه قد اقتحم بها اكثر مقدسات المرأة ... عايش نفسيتها ... ملذاتها وآلامها... على تلك الصورة التي تركتها ترتستم داخله... بينما تلك كانت الصبغة التي تنتظر اية انثى ولو مرت مرور الكرام امام عيناه فيما بعد ...تلك الصورة التي قد شوهت فعلا كل طهارة في الانثى تلك التي لم يكن يرسمها سوى بعذب الابيات ان اوحِىَ ...
لا ينكر انه وجد فيها ما يبدو شفاء من جروح تمت تغطيتها بعناية.... بغطاء من عدم التجاسر على النظر إليها ... لقد أخفت جراحه بعدما تلاشت لديه الجرأة أن يجمع في ذهنه نجاسه اليوم ورقيقة الأمس ....ذلك الذهن الافلاطوني الذي قد تلوث بتلك الاقدام الحاملة من الاوحال اثقالا ...
يظل يحاول انتزاع فلسفة جديدة من أفعاله ولم يجد.. كان طوق النجاه الذي يتمنى ان يأتيه هو لحظة إفاقه لضميرها ...ليقوم هو بدور الشيطان مجددا ... و حينما يمثل ضميره دور الانتحاري في انقاذه..تتولى هي دور الطوفان ....
 يفيق من تلك الذكريات وهو يكتب مقالته عن مصداقيه تصريحات البعض ...فهو لازال يبحث عن الجواهر في صفائح القمامة...

حريتى وأخواتها


لم يكن مشهد البداية سوى كلمات متناغمة تسير المارش العسكري بصحبة الأنغام الحماسية في طريقها لممارسة طقوس التعبد أمام صنم الحرية, من يمنحها لنا كل يوم وكل خطاب وكأننا من يسئ استخدامها فيمسك بنفوسنا الرقيقة حتى لا نؤذى حياتنا بحريتنا.
وتتوالى المشاهد تكرارا ومسخا وإسفافا ولكن تعلو كلمة الحرية صوتا, ويترامى صداها في الفضاء الفسيح حيث النجم العالي يشاهد ذلك الصنم متصدعا متهاويا ساقطا أمام تلك الكلمة.

ويحيط بنا جميعا ذلك المشهد الصامت ذو المهابة والخشوع حيث نجد ذلك الصندوق الثمين المحتوي جوهرتنا الغالية جوار يد الصنم الساقط للتو, نجد حريتنا أمامنا ولا نجترئ أن نمسك بها. فلا نعلم عنها سوى اسمها, ولكن عرفنا الآن من وحي المشهد أنها تتيح لأي كان أن يتحدث باسمها, ويعلن عنها ويتولى أمانتها ويقسمها بالتساوى للجميع. فوقفنا جميعا ننتظر نصيبنا حتى طال الانتظار. ووقفت الحرية تتحدث عن نفسها: "لا تبحث عني ولا يضيق بك العالم بحثا, فأنا لست في قرارات حاكم ولا بين كلمات دستور, قبل هذا وذاك أنا داخلك, فهناك فرق بين الحرية ذاتها وبين من يكفل الحرية".

فلم أعد أنتظر الحرية من مانح جديد بعد إدراكي أن مانحها مانح الحياة ذاتها, من لم يجبرني على قبوله ذاته في حياتي, فكانت أول حرية هى الحرية في قبول خالقها, وأن الحرية أسلوب حياة قبل أن تكون نصوص, فالنصوص تكفل الحرية ولا تخلقها. فالحرية هي حلقة الوصل بين الأخلاق الاجتماعية, فأنت حر أن تنتقد, لست حرا أن تحرض. حرا أن تقارن, لست حرا أن تكون عنصريا, حرا في رأيك, لست حرا في تهميش الرأى الآخر. فهي الموازنة بين حقوقك وواجباتك, كما لوكانت نور يتسع لجميع خطواتك التي لا تضغط على قدم أحد.

وإن أفصحت الحرية عن نفسها إلا إنها لا تفرض نفسها علينا, فعلينا أن نقبلها داخلنا وفي سلوكنا لأننا من سيتحمل مسئولية تصرفاتنا, فهناك من يرفضها هاربا نحو دفء العبودية حيث دوما من يتحمل مسئولية حاله ومآسيه.
فالقهر لا يلغي الحرية, وإنما يلغيها خنوعك انت له. فالصنم سالف الذكر لم يمنع عنا الحرية كما ظننا, وإنما أوهمنا بذلك, لأنه يمتلك قهر المعذبين وسخرية المقيدين. لم ندرك يوما أن حريتنا كانت معنا نحن رغم ذلك المشهد التاريخي أن حريتنا عادت إلينا راكضة بعد لحظات من سقوط الصنم. فلم تكن تلك حريتنا من يركض إلينا, وإنما مسخ جديد يريد إستكمال إيهامنا أننا أحرار تماما كما كان يخبرنا ذلك الصنم.

فمهما زاد القهر فستظل دوما لك حرية الاختيار. فإن أسعفنى القول فإن التخيير في استخدام الحرية هو الحرية ذاتها. كل ما هنالك أن هناك تقصير في كفالتها من قبل من يقع على عاتقه ذلك.

قد يكون هناك من يحاول منعك من إبداء رأيتك, تغيير معتقدك, فلسفتك في الحياة, أسلوب حياتك ومعيشتك, التنقل والإتصال. بل قد يصل بهم الأمر إلى محاولة قتل حرية الخيال داخلك, خوفا منك غدا أن تكون, فحريتك تجعلك أقوى أمام أى طاغية ومسيطر ولو كان هذا الطاغية هو مخاوفك.
ولا تنخدع أبدا بأخوات الحرية وظلالها حين يخدعنك بها بأنك تتمتع بها حقا مثل زمن طال حتى انتهى, فلا تعد تبحث عنها.. استخدمها.. تعرف عليها من جديد, لا تغمض عينيك أمام قسوة النور من بعد ظلام.. استمتع بدموع أول شعاع نور. ولا تتركها بيد مانع أو مانح من جديد.

تم نشرها في الشروق بتاريخ 23/12/2012
http://www.shorouknews.com/menbar/view.aspx?cdate=23122012&id=1b27b086-ff11-441c-8968-ab088e2a49a1